السيد محمد حسين فضل الله
81
من وحي القرآن
الثاني : إن الأمّة مخاطبة بأن تأخذ ما آتاها اللّه من الكتاب بقوّة ، فلا تستسلم للضعف الذاتي الذي تفرضه الشهوات على الإنسان عندما تضغط عليه في الداخل ليترك الالتزام بمبادئه ومفاهيمه أمامها ، ولا تضعف أمام عوامل الضغط الخارجية التي تفرض نفسها على مصالحه لتهدده بالإساءة إليها فيما إذا حاول التمرد عليها لمصلحة إيمانه ، ممّا يجعل من قضية الموقف القوي معها قضية يفرضها الوفاء بالميثاق بين اللّه وبين عباده . وقد نستوحي من ذلك ضرورة أن يعمل العاملون على تحقيق القوّة لوحي اللّه المنزل في الحياة ، من خلال العمل على الدعوة إليه لتحقيق امتداده في أكبر مساحة بشرية ، لأن إيجاد القوة البشرية للدعوة إلى اللّه يمنح الموقف قوّة في داخل الإنسان عندما يشعر بالتماسك أمام الضغوط المتنوعة من خلال شعوره الذاتي بالقوة المستمدة من الجو العام ، كما يعطيه قوّة في ساحة الصراع حين يقف المؤمنون بقوتهم الإيمانية ليرهبوا أعداء اللّه ويدعموا المستضعفين من أوليائه . الثالث : إن الإيمان يفرض على الإنسان مواجهة الأعمال الواجبة والمحرّمة في مقام الإطاعة بعمقها الفكري والروحي والعملي ، لا بشكلياتها الساذجة ، ممّا يجعل من محاولة تطويق الفكرة بالشكليات التي تعطي للطاعة معناها الحرفي على حساب أهدافها الواقعية ، قضية تشبه اللعب على الفكرة باسم الفكرة ، ولهذا اعتبر اللّه عملهم في السبت اعتداء على الميثاق مع أنهم لم يخالفوا حرفيّة الأمر ، فإن المطلوب هو أن لا يصطادوا في السبت ، وقد فعلوا ذلك ، ولكن بعد أن طوّقوه بإيجاد الطريقة التي تجعلهم يحصلون على نتيجة الصيد بشكل غير مباشر ، وعلى هذا الأساس ، كانت عقوبتهم قاسية في الدنيا والآخرة ، لأن هذه الطريقة التي تفرّغ الطاعة من روحيتها تتحول إلى ما يشبه السخرية والاستهزاء بالتشريع وصاحبه ، للإيحاء بقدرة المكلف على أن يتجاوز